الأربعاء 23 يناير , 2019
خطر الانقراض يُطال رمز الحضارة اللبنانية

خطر الانقراض يُطال رمز الحضارة اللبنانية

تمثل أشجار الأرز الشامخة التي تعلو الجبال اللبنانية رمزاً لاستمرارية أراضي لبنان، فهي الشجرة المعمرة البالغ عمرها 3000 سنة فهي ذات قيمة تاريخية حضارية إضافة لما تتمتع به من قيمة دينية رفيعة، إذ أنّها واحدة من أشهر المناطق في الغابة و التي عُرفت باسم “أرز الرب” وكانت تحظى باهتمام الحكومة اللبنانية، فحاولوا حمايتها بوضع سياج حولها عام 1876م لاعتقادهم أنّ المسيح تجلى فيها لأتباعه، كما ألهمت هذه الشجرة العديد من شعراء و فنانيين و كُتَاب لبنانيين و كان من أبرزهم: “جبران خليل جبران” الذي دفن قرب محمية الأرز في “بشري” شمالي لبنان حيث اعتبرها رمزاُ للقوة و السلطة و الاستمرارية و الإحساس بالخلود و الخصب ، مما جعلها تترشح لتصير من عجائب الدنيا الطبيعية السبع.

لكن خشب الأرز بجانب المادة الصمغية المستخلصة من هذه الشجرة جعلتها هدفاً للاستغلال المكثّف عبر مرّ العصور، ابتداءً من المصريين القدامى حتى اللبنانيين المعاصرين مروراً بالفنيقيين العثمانيين الذين تمعنوا عن قطعها.

التغير المناخي التحدي الأكبر لشجرة الأرز اللبناني:

بفضل ما تمرّ به المنطقة في وقتنا الحالي من تغير مناخي متمثل في ظاهرة الاحتباس الحراري، بدأ هناك نوع من القلق يراود خبراء البيئة و ذلك لما يتشكل من تهديداً جدياً على هذه الأشجار، فأضحى التغير المناخي التحدي الأكبر بالنسبة للأرز في لبنان.
فأصبح لا يقطع سكون هذه الغابة التي تقع على بُعد 90 دقيقة بالسيارة من الصخب الجنوبي للعاصمة “بيروت” سوى همهمة الحشرات و حفيف النسيم عبر أغصان هذه الشجرة.

يتراوح النطاق الجغرافي المناخي لنمو الأرز ما يقارب 1200 إلى 1800 متر فوق مستوى سطح البحر، الأمر الذي يجعل من الارتفاع المتواصل في درجات الجرارة شيئاً مضراً بتلك الأشجار المحتاجة لبيئة باردة جافة.

5 آلاف فدان ماتغطيه الأراضي اللبنانية من أشجار الأرز:

أصبحت أشجار الأرز بسبب التغير المناخي لا تغطي إلا 5 آلاف فدّان في لبنان غير متاحة سوى في 12 معقلاً على ارتفاع عالٍ من مستوى سطح البحر، فأشجار الأرز تمثل جزءاً من بيئة لبنانية خاضعة لضغوط عديدة من صنع الإنسان غير مقتصرة على التغير المناخي، فمنذ سنوات ليست بقليلة كانت الحشرات أحد العوامل المدمرة للأرز في منطقة “تنورين” شمال لبنان، الأمر الذي جعل الباحثون يقومون بالربط بين هذه الإصابة بحشرة تتغذى على الأخشاب و بين التغيرات المناخية المتمثلة في درجة الحرارة و رطوبة التربة؛ ولكنه تمت السيطرة على هذه الإصابة فيما بعد.

و عادة ما يموت رأس الشجرة بعد أن يبلغ طولها 7 أو 8 أمتار و هو الطبيعي و ليس السبب مرضاً؛ لأنّ خزّان المياه تحت الأرض لا يستطيع تغذية الشجرة لأبعد من ذلك الارتفاع، فنجد أنّ ربع عدد الأشجار توجد بمحمية الأرز الطبيعية للشوف في الجنوب الغربي من بيروت، نتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري الذي أثّر على نمو أشجار جديدة؛ بسبب ضعف التساقطات الثلجية إضافة لتزايد الأمراض الناجمة عن ارتفاع حرارة الطقس و تكاثر الحشرات.

%40 نسبة انخفاض الثلوج بحلول 2040:

هذا و يتحتم بارتفاع حرارة الأرض ضرورة ارتفاع مجال نمو هذه الأشجار، و يعدّ هذا الأمر تحديداً صعب المنال باعتبار أنّ أعلى نقط لا تتعدى الألفي متر في لبنان، و لهذا السبب يرجّح أن تختفي غابات الأرز اللبنانية.

من جهة أخرى تسعى المحمية في تلك الغابة الحدّ من آثار ارتفاع حرارة الأرض، و تعدّ المجموعات المعزولة هي الأكثر عرضة للخطر؛ لذا فإنّ مواجهة خطر الانقراض مرتبط بزيادة مساحات الغابة.

نتيجة ارتفاع نسبة الغازات الدفيئة في مناخ لبنان و بالأخص في المنطقة الجنوبية، تأثرت الأماكن التي تنمو فيها غابات الأرز؛ ليكون بذلك عدد من المحميات الطبيعية غير صالحة للزراعة مرة أخرى، بسبب عدم توفر الظروف الملائمة لنموها و التي تتمثل في حد أدنى من الثلوج و الأمطار لتتجدد بصورة طبيعية؛ و لكن مع هذا التغير المناخي أصبحت تتعرض لشتاء أقصر و ثلج أقل و الذي من المتوقع أن ينخفض الغطاء الثلجي فيها بنسبة %40 بحلول عام 2040م.

إزالة 7% من أشجار الأرز اللبناني نتيجة للحشرات المتفشية:

بسبب هذه التغيرات التي تحدث تنتقل زراعة أشجار الأرز في لبنان من الطبيعة العادية إلى المناطق المرتفعة تدريجياً و تحديداً في المواقع ذات الجبال العالية المتواجدة شمال البلاد، باعتبارها أعلى من نظيرتها الجنوبية؛ و لكنها أيضاً تعاني من بعض المشكلات، فقد تمّ القضاء على ما يُقارب 7% من تلك الأشجار بسبب نوع من الحشرات المتفشية منذ عام 1997م و التي لم يتم التعرف على نوعها بعد.

%25 نسبة تجاوز ارتفاع معدلات الحرارة العام المقبل:

و وفقاً لتقرير حديث أعدّه خبراء في مجال البيئة و تغير المناخ أكّدوا من خلاله أنّ ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة سيتجاوز المعدل العالمي بنسبة 25% كما تمّ خلال الأسبوع الماضي إزالة الجذوع السوداء التالفة، و استبدالها بأشجار صغيرة في حالة جيدة.

و أوضح التقرير أنّه خلال فترة الخمسينيات شهدت الغابات أمطاراً، و ثلوجاً 100 يوم في السنة منخفضة في السنوات القليلة الماضية ما بين 40 إلى 50 يوماً ممطراً أو مثلجاً، مرتفعة درجات الحرارة بعدها بمعدل درجتين مئويتين؛ ليشهد شهر ديسمبر من كل عام فترة دفيئة على غير المعتاد في هذه الجبال.

كما ساهمت الأرض الحارة في زيادة عدد حشرات الدبور المنشاري التي تقوم بتحفير جذور أشجار الأرز مسببة انهيار أصغر هذه الأشجار سناً و المتراوح أعمارها بين الـ20 إلى 100 عام، حيث جفت حوالي 170 شجرة تماماً و ماتت بسبب هذه الحشرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + تسعة عشر =